محمد أبو زهرة
3776
زهرة التفاسير
وتمام الكلمة إحكامها بحيث لا تتغير ، ولا تتبدل ، ولا تتخلف ، وكلمة اللّه تعالى هي أمره الذي ظهر في قوله . وفي الكلام قسم مطوى دلت عليه اللام في لَأَمْلَأَنَّ فهي لام القسم ، ونون التوكيد ملازمة للقسم فهي أيضا دالة عليه ، وقوله تعالى : مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ . مَنْ هنا لبيان من يملأ منهم ، و الْجِنَّةِ الكلام على تقدير العصاة أي من عصاة الجن ، وعصاة الإنس ، والجن عبر عنهم بالجنة ، والإنس عبر عنهم بالناس كما في قوله تعالى : مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ( 6 ) [ الناس ] . وقدر عصاة لأمرين : الأمر الأول : أن الجزاء بجهنم كما في عرف القرآن ، وكما هو العقل - يكون للعصاة . الأمر الثاني : أن الناس مختلفون ، فذكر اللّه تعالى أهل الطاعة ، وتفضل عليهم برحمته ، فقال فيما سلف إِلَّا مَنْ رَحِمَ والمخالفون لهم هم العصاة ، وكان بمقتضى التقسيم أن تكون لهم جهنم ، وقد تأكد أنهم يملئونها . وعلى ذلك تكون كلمة أَجْمَعِينَ تأكيد ، بأن العصاة كلهم سيدخلون جهنم ، وتمتلئ بهم لا يفر منها جبار ، ولا نافخ نار . وإذا أريد جنس الجنة ، وجنس النار يكون الظاهر ، أنه لا ينجو من أحد الجنسين أحد ، ويكون التأكيد لبيان أنه يستوى الجنسان ، في ألا يغادرها أحد ، كما تقول ملأنا الحقيبة من أوراق امتحان الشريعة ، والمدني والجنائي ، جميعا ، أي فيها الأصناف جميعا غير متخلف بها صنف من هذه الأصناف . ولا شك أن التقدير الأول أظهر وأبين ، وسياق القول يقتضيه ، ولقد روى في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « اختصمت الجنة والنار ، فقالت الجنة : ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس . وقالت النار أوثرت بالمتكبرين